واقع الإعلان في سوريا

 

 

من خلال بعض الدراسات التسويقية والإعلانية التي عملت بها مؤخراً ، قمت بتحديد واقع الصناعة الإعلانية في سورية مقارنة مع دول الجوار .. بالإضافة لبعض الملاحظات والتي سأوضحها من خلال تلخيص النتائج التالية:

 

1- يعاني الإنفاق الإعلاني في سورية من اختلالات هيكلية عميقة، منها مثلاً أن التلفاز لا يحتل المرتبة الأولى بين وسائل الإعلان السورية .. ويمكن إرجاع الخلل إلى تراجع الدور الذي يقوم به التلفاز السوري لصالح الانتشار الواسع للبث الفضائي في ظل تزاحم الفضائيات العربية والأجنبية مع ما تحمله من إعلانات متنوعة عن سلع عالمية وأجنبية.

 

2- تعتبر حصة الفرد السوري من فواتير الإنفاق الإعلاني في سورية الأقل في المنطقة العربية ومن الأقل على مستوى العالم أيضاً، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال البحث.

 

 

 

ومرد ذلك إلى انخفاض مستويات الإنفاق الإعلاني في سوريا بالمقارنة مع الدول الأخرى، ولا شك أن نصيب الفرد المنخفض من الإعلان يشكل مؤشرا ًعلى تردي الوضع الاستهلاكي الذي يعيشه المستهلك السوري، فهو في الغالب يتخذ قراراته الشرائية دون مساعدة الإعلانات أو وسائل الترويج وإنما بالاعتماد على العلاقة بين العرض والطلب، وهو أمرٌ خطير إذا ما تم الركون إليه، خاصةً وأن سورية دخلت في تكتلات عربية وتواجه الآن الاتحاد الأوروبي مع ما يعنيه ذلك من إغراقٍ سلعي للسلع والخدمات الأجنبية والعربية، وإذا لم تتحضر السلع الوطنية لمثل تلك المواجهة من خلال مساعدة الإعلان، فلن يكون هناك متسع من الوقت لحماية المنتجات الوطنية ولبناء سمعة طبية للصناعة السورية، وبالتالي سيتجه المستهلك السوري نحو السلع ذات القيمة المضافة الأكبر حيث يشكل الإعلان أكبر أعمدتها.

 

 

3- نظراً لانخفاض فواتير الإنفاق الإعلاني السوري، نجد أن الإنفاق الاستهلاكي في سورية لا يجري رسمه من خلال الإعلانات وإنما من خلال طبيعة الطلب وتعطش الأسواق السورية. وهو أمرٌ سينتهي عاجلاً أم آجلاً عندما تغيب الحماية الاقتصادية للصناعات الوطنية وستقف عاريةً أمام السلع العالمية التي يجري الإعلان عنها بقوة في العديد من المحطات الفضائية ووسائل الإعلان العابرة للحدود، وهو ما يشكل تحدياً للصناعة السورية وبالتالي لصناعة الإعلان التي تشكل حصناً لحماية المنتجات الوطنية والترويج لها.

 

 

4- تغيب الجودة عن الإعلانات التي تقوم بها الشركات السورية المنتجة أو المسوقة، وهذا نابع من غياب المنافسة بين الشركات ..  وإن وجدت تغيب الفكرة المميزة أو الإخراج الجيد أو الخطط والدراسات الإعلانية العلمية. وكان ذلك واضحاً من خلال انخفاض الإنفاق الإعلاني في الشركات السورية، حيث تقوم هذه الشركات ببث أي رسالة إعلانية دون دراسة دقيقة لعلمها مسبقاً أنها قد تكون الوحيدة التي تقوم بالإعلان، لذا تجد أنها غير مضطرة لابتكار رسالة إعلانية مميزة عن إعلانات المنافسين.. علاوةً على هيمنة صاحب رأس المال على الإعلان الخاص به ويعد هو المسؤول عنه في تصميمه واختيار ألوانه !!.

 

 

 

التوصيات:

بناء على النتائج السابقة يمكن تحديد التوصيات التالية، التي يمكن أن تشكل تصوراً إصلاحياً لواقع الصناعة الإعلانية السورية الحالية، بغية الوصول إلى صناعة إعلانية إحترافية قادرة على حماية نفسها أمام منافسة الإعلانات الأجنبية وقادرة على حماية المنتجات السورية أمام السلع والخدمات القادمة من خلف الحدود. ويمكن تلخيص التوصيات فيما يلي:

 

1- الترويج لصناعة الإعلان في سورية من خلال منح المنتجين خصومات سعرية وعروض إعلانية خاصة على جميع وسائل الإعلان، خاصةً على فترات العرض وتسعيرتها ضمن قنوات التلفاز السوري من أجل المساعدة على رفع فواتيره وتصحيح الخلل الهيكلي في بنية الإنفاق الإعلاني السوري. الأمر الذي يساعد بالمقابل على تطوير تلك الوسائل وجعلها تسعى للارتقاء بتصميم الرسائل الإعلانية وجعلها أكثر جاذبية وذات مفعول أكيد.

 

2- تحسين المادة الإعلامية التي يقدمها التلفاز والإذاعة والصحف والمجلات السورية، بحيث تجذب أعداداً أكبر من القراء والمشاهدين، الأمر الذي يشجع رجالات الاقتصاد العام والخاص في سورية على نشر إعلاناتهم في تلك الوسائل، إيماناً منهم بأن إعلانهم سيصل إلى أكبر شريحة من الجمهور المستهدف. ومن جهة أخرى إجراء صيانة دورية لوسائل الإعلان الطرقي خاصةً ضمن فصل الشتاء وابتكار المزيد من الوسائل الإعلانية الحضارية التي تقلل من حجم التلوث الإعلاني الذي تعيشه بعض المدن السورية.

 

3- القيام بحملات إعلانية توضح الآثار الاقتصادية الجيدة للإنفاق الإعلاني وكيفية التقليل من آثاره السلبية، بغية تشجيع المستثمرين على ضخ المزيد من أموالهم في هذا المجال الاستثماري، وبالتالي العمل على رفع حجم نصيب الفرد السوري من الإنفاق الإعلاني إلى مستوى الدول المجاورة على الأقل. ويساعد أيضاً على كسر الحاجز الذي يجعل بعض المستهلكين يتوجسون من نوعية السلع التي يجري الإعلان عنها، ظناً منهم أنها ليست جيدة.

 

4- تطوير صناعة الإعلان السورية باستقدام خبرات خارجية وإحداث معاهد متخصصة لتدريس الإعلان أكاديمياً في سورية، بهدف الارتقاء بهذه الصناعة من التقليد المشوه إلى الإبداع الخلاق، الأمر الذي لا بد أن ينعكس في زيادة معدلات المشاهدة والاستجابة من قبل المستهلكين السوريين.

 

5- ترشيد الإنفاق الإعلاني من خلال اللجوء إلى الخدمات الاستشارية التي تقدمها شركات الإعلان المتخصصة، سواء من ناحية اختيار التوقيت المناسب للإعلان أو الوسيلة الأنسب أو ملاءمة الإعلان لمواصفات السلعة، حتى لا يضيع المال المخصص للإعلان دون فائدة.

بالإضافة إلى ربط ترشيد الإنفاق الإعلاني بترشيد الإنفاق الاستهلاكي لمن يشاهد الإعلان، من خلال إقصاء الإعلان المضلل وتعزيز مصداقية الرسائل الإعلانية.

في النهاية يمكن القول إن صناعة الإعلان السورية لاتحتاج إلا للأكاديمية في تعاملها مع السوق .. وقد قامت المؤسسة العربية للإعلان في سورية بالعديد من الخطوات التي تساهم في الارتقاء بصناعة الإعلان في سورية، دون نسيان الدور البارز الذي تقوم به شركات الإعلان المتخصصة التي واكبت جميع التطورات التقنية في مجال صناعة الإعلان. لكن ما يزال الطريق طويلاً أمام هذه الصناعة في سورية، خاصةً لتكون قادرة على الصمود في وجه الآليات الاقتصادية الليبرالية التي غدت خلف أبواب الاقتصاد السوري، والتي لن تقف خلفه طويلاً.

 

المراجع:

سلوم، إلياس جميل – الإعلان، دار الرضا، دمشق، 2001، 156 ص.

جونز، فيليب جونز – تعريب هشان الدجاني –  التسويق والإعلان وأثرهما على المستهلك، مكتبة العبيكان، الرياض، 2001، 312ص.

المؤسسة العربية للدراسات والبحوث الاستشارية( بارك)، الكويت، مركز أبحاث يصدر دراسة سنوية عن واقع الإعلام والإعلان العربي.

Shiupt, A. – Advertising Promotion and Supply Mental Aspect of Integrated Marketing Communication, Fourth ed, Dryden Press, USA, 1997.

المجموعة الإحصائية السورية، المكتب المركزي للإحصاء، 2005.

 

9 Replies to “واقع الإعلان في سوريا”

  1. أنا طالب تسويق سنة تانية
    وأريد المساعدة في إنجاز بحث حول(أثر الإعلان على الحصة التسويقية)
    الرجاء أطلب المساعدة
    الرجاء إرسال المساعدة على الإيميل المذكور أعلاه

  2. الحقيقة …
    المشكلة ليست بالكم الهائل من المواد الدعائية لكن النوعية المختارة وطريقة عرضها
    قليل من المصممين يدركون تلك الأشياء
    وللأسف ليس هناك من شركة ترعى هؤلاء وتقدم لهم الدعم المناسب من حيث الصلاحية
    فيكون العمل حينها على رغبة العميل بعيداً عن أي طريقة مدروسة أو فنية ترفع من أدا الإعلان السوري

  3. عندي سؤال أستاذي العزيز أحمد
    ماهي النسبة المعقولة لميزانية الإعلان من حجم الفائدة ؟!

  4. هل من معلومات ودراسات عن أخلاقيات الإعلان
    باحث وممارس للمهنة في حاجة للمساعدة………..

  5. علوش: صدقني ةهناك أكثر من مقهوم البركة عند المستهلك السوري
    بمعنى أن القرار الشرائي لايحكمه والي ولكن علمياً عزيزي هو محكوم
    بطريقة أم بأخرى..
    ولاتستطييع تغييب دور الإعلان الغير مباشر فيما يتعلق بتوصيات أصدقائك
    أو المجتمع الذي حولك حول منج معين .. فبرأيك من أين أتت هذه التوصية
    لا أشك بأنها من العدم وأن تعلك تماماً العملية .. ولكن بالمقابل أتفق معك
    بما يتعلق بطبيعة المجتمع السوري وصدقني الحديث به يطوول.

    شكراً لمرورك

    مستر بلوند: والله صدقت !! أنا شخصياً منزعج جداً من هذا الموضوع
    وخصوصاً أني تعرضت لكثير له في حياتي المهنية ، وهو طبعاً وبلاشك سبب مهم جداً
    في افتقاد اعلاناتنا لعنصر الفكرة والجمال والإبداع وتستطيع تقييم كلامي
    حينما تسأل عن اعلان مبدع ظهر في الشوارع تجد ان منفذه وكالة محترفة .. فهي أدرى بطبيع هكذا اعلانات وخبرتها تترجم فنياً بما سوف تراه

    شكراً لهذه الملاحظة

    أحمد نذير بكداش: انت كبير ومابدك كلام ليصغرك .. مرورك بكفي

  6. معلومات مفيدة وقيمة للغاية .. شكراً لك ..

    أكثر المقاطع التي لفتت نظري “علاوة على هيمنة صاحب رأس المال على الإعلان الخاص به ويعد هو المسؤول عنه في تصميمه واختيار ألوانه !!” هذه من أكبر الأسباب التي يجعل تصميم الإعلان عندنا متدهور إلى حد كبير للغاية ..

    يعتبر صاحب رأس المال أنه يحق له أن يختار أي لون يريده وأي صورة يريدها وعلى المنفذ أن ينفذ طلباته ولو كانت التصميم النهائي فاشل للغاية .. المهم أن صاحب رأس المال مقتنع به وكفى .. هل يعلم هولاء الأشخاص أن شركاء صناعة الإعلان في الغرب لها أكبر دور وفعالية في رفع أو خفض قيمة المنتج أياً كانت قيمته ..

  7. ” فهو في الغالب يتخذ قراراته الشرائية دون مساعدة الإعلانات أو وسائل الترويج وإنما بالاعتماد على العلاقة بين العرض والطلب”

    وحياتك حتى العرض والطلب مالو دور بقرار الشراء، قرار الشراء لدى المستهلك السوري قرار على البركة لا أكثر ولا أقل في ظل وجود سلع سورية حتى اليوم لم تستطع الانتشار أكثر من حدود المحافظة المحلية علماً أن انشاء فروع لها سيحقق نجاحات باهرة مضمونة.

    حتى ضمن الحارة الواحدة كل محل لديه سلع مختلفة عن الآخر ويفرض قرار الشراء على المستهلك فإما يسمح بنزول البيبسي أو الكوكاكولا أو لا يسمح لأي منهما ويفضل فقط أوغاريت وعليك أنت الانصياع لذوق هذا المناضل الذي يحارب البيبسي المنتجة أصلاً من شركة سورية عريقة.

    حتى الآن في سوريا تسمع بشركات تعتبر وكلاء لشركات عالمية ضخمة لا تروج خدماتها سوى في دمشق وحلب، فأي تسويق هذا إن لم يتمكن المستهلك من الوصول للسلعة.

    لا يكفي التسويق إذا لم يكن هناك قنوات توزيع فعالة. بمعنى آخر يجب تحقيق عناصر المزيج التسويقي في آن واحد: المنتج، السعر، التوزيع، الترويج، فعالية الترويج أو الاعلان هي صفر في حال الفشل في التوزيع أو التسعير أو فشل المنتج نفسه.

    بمعنى آخر، كلو عم يشتغل عل البركة.

شاركني رأيك

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s